السيد كمال الحيدري

184

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

الجرح والتعديل ، والتدليس على المسلمين بقطع الطريق عليهم في الوصول إلى سنّة رسول الله ( ص ) الحقيقية من خلال إسقاط وثاقة كل راوٍ شيعي ( بالمعنى المتقدّم لهذه الكلمة ، أي : المحبّ للإمام علي ( ع ) ) ، وتوثيق كلّ خارجٍ على الإمام علي ( ع ) ، ناصبٍ له العداء . فكلّ من يتولى علياً ( ع ) يُترك حديثه ويُتوقّف فيه ، وكلّ من يبرأ من علي ( ع ) فهو راوٍ صدوق متديّن وثبت ، لا يسوغ إهمال ما يأتي به ، بل لابدّ من تصديقه والأخذ بكلامه . وقد صرّح بحقيقة التمييز هذا ، وانفصال كلّ جماعة عن الأخرى تبعاً للإمام الذي تتولّاه أحد أبرز المناؤيين للإمام علي ( ع ) ، وهو حريز بن عثمان الرحبي الحمصي ، حين كان يجيب لمن يسأله عن سبب عدائه الشديد للإمام بقوله : ( لنا إمامنا ، ولكم إمامكم ) « 1 » . يقصد بالأوّل الإمام علي ، وبالثاني معاوية . وممن أشار إلى هذا الانقلاب الخطير في معايير الجرح والتعديل وحاول تفسيره الحافظ ابن حجر العسقلاني في نصّ في غاية الأهمّية ننقله بأكمله ، قال : ( وقد كنت أستشكل توثيقَهم الناصبيَّ غالباً ، وتوهينهم الشيعةَ مطلقاً ، ولا سيّما أن عليّاً ورد في حقّه « لا يحبّه إلَّا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق » . ثم ظهر لي في الجواب عن ذلك : أنّ البغض ها هنا مقيّد بسبب ، وهو كونه نصرَ النبي ( ص ) ، لأنّ من الطبع البشري بغض من وقعت منه الإساءة في حقّ المبغض ، والحبُّ بعكسه ، وذلك ما يرجع إلى أمور الدنيا غالباً ، والخبر في حبّ علي وبغضه ليس على العموم ، فقد أحبّه من أفرط فيه حتى ادّعى أنه نبيّ أو أنه إله تعالى

--> ( 1 ) انظر : تاريخ دمشق : ج 12 ، ص 348 ، سير أعلام النبلاء ، مصدر سابق : ج 7 ، ص 81 ، وقد فسّر الذهبي قصده بما ذكرناه أعلاه .